السيد نعمة الله الجزائري
137
عقود المرجان في تفسير القرآن
وقتل منهم ، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه وسنان الجهنيّ حليف لعبد اللّه بن أبيّ واقتتلا . فصرخ جهجاه للمهاجرين وسنان بالأنصار . فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا . فقال عبد اللّه لجعال : وأنت هناك ؟ وقال : ما صحبنا محمّدا إلّا لنلطم ! واللّه ما مثلنا ومثلهم إلّا كمن قال : سمّن كلبك يأكلك . أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ . يعني بالأعزّ نفسه وبالأذلّ رسول اللّه . ثمّ قال لقومه : ماذا فعلتم بأنفسكم ؟ أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم ! أما واللّه لئن أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام ، لم يركبوا رقابكم ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم . فلا تنفقوا عليهم حتّى ينفضّوا من حول محمّد . فسمع ذلك زيد بن أرقم - وهو حدث - فقال : أنت - واللّه - الذليل القليل المبغض في قومك ومحمّد في عزّ من الرحمن وقوّة من المسلمين . فقال عبد اللّه : اسكت . فإنّما كنت ألعب . فأخبر زيد رسول اللّه . فقال له الرسول : أنت صاحب الكلام الذي بلغني ؟ قال : واللّه الذي أنزل عليك الكتاب ، ما قلت شيئا من ذلك . وإنّ زيدا لكاذب . فهو قوله : « اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً » . فقال الحاضرون : يا رسول اللّه ، شيخنا وكبيرنا . لا تصدّق عليه كلام غلام . عسى أن يكون قد وهم . فلمّا نزلت ، لحق رسول اللّه زيدا من خلفه فعرك أذنه وقال : وفت أذنك يا غلام . إنّ اللّه قد صدّقك وكذّب المنافقين . ولمّا أراد عبد اللّه أن يدخل المدينة ، اعترضه ابنه عبيد اللّه « 1 » - وكان مخلصا - فقال : لا تدخلها - واللّه - حتّى تقول : رسول اللّه الأعزّ وأنا الأذلّ . وإلّا لأضربنّ عنقك . فلمّا رأى منه الجدّ قال : أشهد أنّ العزّة للّه ولرسوله وللمؤمنين . فقال له رسول اللّه : جزاك اللّه عن رسوله وعن المؤمنين خيرا . فلمّا بان كذب عبد اللّه ، قيل له : قد نزلت فيك آي شداد . فاذهب إلى رسول اللّه يستغفر لك . فلوّى رأسه فقال : أمرتموني أن أومن فآمنت . وأمرتموني أن أزكّي مالي فزكّيت . فما بقي إلّا أن أسجد لمحمّد ! فنزلت : « وَإِذا قِيلَ » - الآية . فلم يلبث إلّا أيّاما قلائل حتّى اشتكى ومات . « 2 » [ 6 ] [ سورة المنافقون ( 63 ) : آية 6 ] سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 6 )
--> ( 1 ) - المصدر : عبد اللّه . ( 2 ) - الكشّاف 4 / 541 - 543 .